مشاعرُ صداقة

في ليلة من الليالي، ليلة شديدة العتمة، تبعث في النفس الهدوء والسكون، أويت لفراشي واحتضنت مخدتي، ثم أطلقت بصري للسماء، أتأمل ظلمتها والبدر الذي ينيرها، سبحان من خلق فأبدع! قمر مستدير منير يحوطه ظلام دامس، جمال خلق عجز الملوك عنه، لكن ملك الملوك لا يعجزه شيء، سبحانه جل في علاه!


وأنا أتأمل هذا الخلق البديع، والجمال الباهر، سألت نفسي، ما سر هذا الجمال؟! قد أبهر أبصارنا وأدهش عقولنا وأشغل أفئدتنا! لا جمال للقمر لولا ظلام الليل، ولا طعم للنجاح لولا عثرات الطريق، كما أنه لا طعم للصحبة الصالحة لولا تآلف القلوب وتحمل المشاق سويا ومساندة الصاحب لصاحبه..

حينها قلت في نفسي: لا بد وأن الله تعالى خلق لهذا الجمال من البشر أشباها؟ أناس كالبدر حقا، عندما تحيط بك اﻷحزان ويذرف الدمع ويضيق الخاطر، فتتكل على مولاك، وتشكو له أحزانك؛ يسخر لك من بين جميع خلقه شخص مجرد أن ترى ابتسامته تتسع لك الدنيا بأكملها، وينشرح صدرك رغم ما ألم به من خطب، وترسم الابتسامة على وجهك، وتتبدل دموعك الحزينة دموع فرح وسرور..

وفي حين تعمقي بهذه اﻷفكار، إذ بشخصية ترسم أمامي، خطفت كل أفكاري وهواجيسي، وأجبرتني على تأملها قليلا.. وكأن نفسي تسألني، أهي من أشباه هذا القمر؟! بت أفكر بالجواب، أهي حقا من أولئك اﻷشباه؟! وإذ بالحمية تشتعل في نفسي: لا والذي خلقها، بل هي أجمل من القمر نفسه، أما ترين بأن القمر اختفى من أمامك حين أتت لمخيلتك؟! إذا من شبيه من؟ أنصفي ولا تظلمي، كوني عادلة!

عجزت عن الجواب، وخشيت عدم اﻹنصاف، فاستعنت بقلبي، سألته على أمل أن نجد سويا جوابا لا يبخس حق أحد منهما، وإذ بالقلب يسعف بالجواب، سألني قائلا: عندما نفكر سويا بتلك الزهرة، ونرى القمر أمامنا، إلى من نميل؟! أنترك الزهرة ونرحل للقمر، أم نبقى مع الزهرة؟!


قلت له يا قلب! عجز اللسان وعجزت المشاعر وأنت أعلم بالحال، فأنت من يسابق بالحب قبل النفس والعين، فأخبرني يا قلب وأجب!

فإذا به يطأطأ رأسه قائلا: أهو اﻹباء أم الحياء؟!  أم الخوف من الرياء؟! الحب يا أنتِ! لا يعرف حياء ولا كبرياء، ولا خداعا ولا رياء! الحب مشاعر تتأجج بنا، إما أن نحولها لتضحية وفداء، وإما لانتقام وبلاء!

فهلا صدقت القول وأجبت؟! قد هزمتني أيها القلب! لن أبالغ ولن أجامل، فعدلي يحتم علي المبالغة، وصدقي يكره المجاملة.. نحن أيها القلب نميل للزهرة حين تكون معنا، وحين غيابها نتأمل القمر علنا نجد بعضا من جمالها فيه.. هكذا نحن أيها القلب!

فإذ به يقول وهم يبتسم: إذا يا حبيبتي بدر السماء هو من يشبه زهرتنا وزهرتنا هي من أفاقته جمالا.

حبيبتي تلك! لو استطعت تجسيد محبتي لها؛ لجسدتها بأبهى حلة!

رقيقة قلب عظيمة مشاعر.. إنها الرُّقي..♡

سألت المولى جل في علاه أن يحيطها بحفظه ورعايته ويسعد فؤادها وينير دربها..
<div class=

التعليقات

إضافة تعليق